اولياء چلبي

19

الرحلة الحجازية

الثقافة العربية الاسلامية أول ما نشأت ، ثم ما زالت تنمو حتى تكاملت فروعها ، ورسخت أصولها . وبلاد المغرب - بمختلف أقطاره ومنه الأندلس - . وإن كان في عصوره الزاهرة يمد تلك الثقافة بروافد قوية إلا أن علماءه كانوا - وما يزالون - يرون في تلك الحواضر . وخاصة مكة والمدينة ، مهوى لأفئدتهم ومطمحا لرغباتهم ، وملتقى روحيا تتطلع نفوسهم لبلوغه لا لأداء فريضة أوجبها الدين الحنيف فحسب ، ولكن للتزود من العلم ، وللالتقاء والاجتماع بالعلماء في أحفل مجمع ، وأشمل ملتقى . وللحديث عن عناية علماء المغرب بتدوين رحلاتهم إلى الحج مجال أوسع من هذا ، وحسبي أن أعرض الان إحدى الرحلات ، عرضا دعت المناسبة إليه . ويلاحظ الباحث في تاريخ الثقافة أن أدب الرحلات ازدهر في العصور المتأخرة التي اعترى الجمود مختلف الجوانب الثقافية ، منذ القرن الحادي عشر الهجري حتى نهاية القرن الثالث عشر . وما اخالني جانفت الحقيقة حين قلت في حديثي في ( ملتقى مؤرخ الأندلس ابن حيان ) الذي أقيم في الرباط في آخر شهر المحرم من هذا العام ( 1403 ه - 1981 م ) ليست رحلتا ابن بطوطة وابن جبير - على جلالة قدرهما - يمدّان الباحث بفكرة كاملة عما تحويه غيرهما من رحلات علماء المغرب ، مما يتطلع إليه الدارسون لمختلف أحوال غرب الجزيرة ، من معلومات وافية . وليس من المبالغة القول بأن في رحلات ابن رشيد الفهري والتجيبى والعبدري والعياشي والدّرعيّين أحمد بن ناصر ، ومحمّد بن عبد السلام ، ومن بعدهم إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري - في تلك الرحلات ما يعتبر من أوفى المصادر وأشملها وأوثقها في دراسة كثير من أحوال المدينتين الكريمتين مكة والمدينة ، من ثقافية واجتماعية واقتصادية . وهذا ما لم أر أحدا من الباحثين اتجه له باعتبار تلك الرحلات تكوّن وحدة متكاملة في موضوعها . أشهر رحلات الحج : ولا يتسع المجال لأكثر من ذكر أهم رحلات الحج ، التي في ميسور كل باحث